إخوان الصفاء

384

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

لمودتي من قلبك . قال موسى ، عليه السلام : لم خلقتني يا ربّ بعد أن لم أكن شيئا ؟ قال : أردت بك خيرا . قال : ربّ منّ علي . قال : أسكنك جنتي ، وأدخلك دار كرامتي مع ملائكتي ، فتخلد هناك منعّما ، ملتذّا مسرورا . قال : فما الذي ينبغي لي أن أعمل ؟ قال : لا يزل لسانك رطبا من ذكري ، وقلبك وجلا من خشيتي ، وبدنك مشغولا بخدمتي ، ولا تأمن مكري إلى أن ترى رجلك في الجنة . قال : يا ربّ لم ابتليتني بفرعون ؟ قال : إنما اصطنعتك لنفسي على أن أخاطب بلسانك بني إسرائيل ، فأسمعهم كلامي وأعلّمهم شريعة التوراة وسنّة الدين ، وأدلّهم على الآخرة ، ومن اتبعك منهم ومن غيرهم كائنا من كان . يا موسى ، بلّغ بني إسرائيل أني لما خلقت السماوات والأرض جعلت لهما أهلا وسكّانا ، فأهل سماواتي هم ملائكتي وخالص عبادي الذين لا يعصونني ، ويفعلون ما يؤمرون . يا موسى ، قل لبني إسرائيل وبلّغهم عني أنه من قبل وصيتي ووفى بعهدي ، ولم يعصني ، رقيّته إلى رتبة ملائكتي ، وأدخلته جنتي ، وجازيته بأحسن الذي كانوا يعملون . يا موسى ، قل لبني إسرائيل وأبلغهم عني أني لما خلقت الجن والإنس والحيوانات أجمع ، ألهمتهم مصالح الحياة الدنيا وعرّفتهم كيفيّة التصرّف فيها لطلب منافعها والهرب من المضارّ منها : كلّ ذلك بما جعلت لهم من السمع والبصر والفؤاد والتمييز والشعور أجمع . وهكذا ألهمت أنبيائي ورسلي والخواصّ من عبادي ، وعرّفتهم أمر المبدإ والمعاد والنّشأة الآخرة ، وبيّنت لهم الطريق وكيفيّة الوصول إليها . يا موسى ، قل لبني إسرائيل يقبلون من أنبيائي وصيتي ، ويعملون بها ، واضمن لهم عني أني أكفيهم كلّ ما يحتاجون إليه من مصالح الدنيا والآخرة جميعا ، ومن وفي بعهدي وفيت بعهده ، كائنا من كان من بني آدم ، وألحقتهم بأنبيائي وملائكتي في الآخرة دار القرار . قال موسى : يا ربّ لو خلقتنا في الجنة وكفيتنا محن الدنيا ومصائبها وبلاءها ، أليس كان خيرا لنا ؟ قال : يا موسى ،